رِسَالةٌ حَانِيةٌ إِلى المحتفلينَ بِـ(عِيدِ الحبِّ)
أ.النميري بن محمد الصَّبَّار |
بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسولِ اللهِ وعلى آلهِ وصحبهِ ومَنْ والاهُ، أمَّا بعدُ: فَإنَّ مِمَّا تأسفُ له النَّفسُ كثيراً ، ويُدْمي القلبَ حَقًّا ، أنْ تَرى فِئاماً مِنَ الأُمَّةِ الإسلامية-هَداهم اللهُ- يَنساقونَ وَراءَ الأممِ الكافرةِ في أخلاقِها السَّيئةِ وأعيادهِا المنحرفةِ ، ومِمَّا يدخلُ في دائرةِ هذا الزَّخمِ الباطلِ : ظاهرةٌ غريبةٌ مريبةٌ برزتْ في السَّنواتِ الأخيرةِ ، ثُمَّ شاعتْ في أَقطارِ الدُّنيا ، وذَاعتْ في آفاقها ، وهي ظَاهرةُ الاحتفالِ بِـ(عيد الحبِّ ) ، أو ما يُطلقُ عليهِ (عيدُ العُشَّاقِ ) ، أو (يوم القديس فالنتين) ؛ تَشبُّها بذلك بأعداءِ الدِّينِ والملَّةِ الذين أَضلَّهم اللهُ وطمسَ على بَصائِرهم ، ومحاكاةً لهم في خَصائِصهم الَّتي يَتَّسمونَ بها ؛ وجَرياً على سَننِهم المخالفةِ لمنهاجِ النُّبوةِ . وَكَمْ حذَّرَ رَسولنا الكريمُ : رَسولُ الرَّحمةِ والهدايةِ-صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ- أُمَّتهُ من هذه الكبكبةِ الفاجرةِ والهُوَّةِ السحيقةِ- قبلَ ما يَربو على أربعةِ عشر قرناً مِنَ الزَّمانِ- إذْ يقولُ-فداه أبي وأمي- : ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ)) [1]. وَ قَالَ-صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- : ((لاَ تَتَرُكُ هذِهِ الأُمَّةُ شيْئاً مِنْ سُنَنِ الأَوَّلِينَ حَتَّى تَأْتِيَهُ)) [2] . يقولُ الإمامُ ابنُ عبد البَرِّ-رحمهُ اللهُ - : ((وَكَانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ و سَلَّم يُحذِّرُ أصَحابَه وسائِرَ أُمَّتَه مَنْ سُوءِ صَنيعِ الأممِ قَبلَه ، وَ يُخبرهم بما في ذلكَ مِنْ سَخطِ اللهِ وغَضبهِ ، وَأَنَّهُ مما لا يَرضاه ؛ خَشيةً عَليهم امتثالَ طُرقِهم . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم يُحبُّ مُخالفةَ أَهلِ الكتابِ وسائرِ الكُفَّارِ ، وَكَانَ يَخافُ على أُمَّتِه اتباعَهم . أَلا تَرَى إلى قَولِه صَلَّى اللهُ عَليهِ و سَلَّم على جِهةِ التَّعييرِ والتَّوبيخِ ( ( لتتبعنَّ سُننَ الَّذينَ كَانوا قَبلكم حَذْو النَّعلِ بالنَّعلِ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهم لو دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدخلتموه ) ) ؟!))[3]. وإنَّ كُلَّ غَيورٍ مُشفقٍ على أُمَّتهِ ، لَيتأكَّدُ عليه-لزاماً- أنْ يَبعثَ لأولئكَ المحتفلينَ بذلكم العيدِ البغيضِ بِرسالةٍ حانيةٍ ، مِلؤها الرّحمةُ والمحبَّةُ ، يُناشدهم فيها باللهِ أنْ يُراجعوا فيها أنفسهم ، وما اجترحتْ أيديهم ؛ مِمَّا يُغضبُ اللهَ-جلَّ وعلا- ، ويُنزلُ سخطهُ- . وهَا أنا ذَا أَبعثُ إليهم بهذه الرِّسالةِ ؛ انطلاقاً من قوله-سبحانَهُ- حكايةً عَنْ أنبيائهِ وخيارِ عبادهِ- : {... إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }[الأعراف : 59] ، وقولهِ تعالى : {وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ }[غافر : 32] . ألا وإنَّ محاورَ تيكم الرِّسالةِ ، ستدورُ حول مضامينَ في غايةِ الأهميةِ ، وهي على وجهِ الإجمال : 1-في حقيقةِ هذا العيدِ ، وجذورهِ التَّأريخيةِ والعقدِيَّةِ . 2-مظاهرُ الاحتفالِ بهذا العيدِ . 3-حُكْمهُ في ميزانِ الشَّريعةِ . أما التفصيل ؛ فهو على النَّحو الآتي : أولاً : في حقيقةِ هذا العيدِ ، وجذورهِ التَّأريخيةِ والعقديةِ [4] : يُعتبر (عِيدُ الحبِّ) مِنْ أعيادِ الرُّومانِ الوثنيينَ ؛ حيثُ كانتِ الوثنيةُ سَائدةً عندَ الرُّومان قبلَ ما يَزيدُ على سبعةِ عشر قرناً. وهو مصطلحٌ خاصٌّ في المفهوم الوثني الروماني يُعبِّرُ عن الحبِّ الإلهيِّ. و كَانَ لهذا العيدِ الوثنيِّ أساطيرُ متعدِّدةٌ عندَ الرُّومانِ، وعندَ منْ جاء بعدهم مِنَ النَّصارى، و لعلَّ أَشهرَها أسطورتانِ اثنتانِ: 1-أولاهما: كانَ الرُّومانُ يعتقدونَ أنَّ (رومليوس) مُؤسِّسُ مدينة (روما) أَرضعته ذاتَ يومٍ ذِئبةٌ ؛ فاكتسبَ منْ لَبنِها القوَّةَ ورجَاحةَ الفكرِ. ولذلك كانوا يحتفلونَ بهذا اليومِ في منتصفِ شهرِ فبراير مِنْ كُلِّ عَامٍّ احتفالا كبيراً، يُمارسونَ فيه أعمالاً في غايةِ الغرابةِ والخرافةِ ؛ حيثُ يَذبحونَ كَلباً وعنزةً، ويَدهنُ شَابانِ مفتولا العضلاتِ جسميهما بَدمِ الكلبِ والعنزةِ ،ثُمَّ يَغسلانِ الدَّمَ باللَّبنِ ، وَيسيرانِ في موكبٍ عظيمٍ ؛ بِحيثُ يَكونانِ في مُقدِّمتهِ ، وَيجولانِ في الطُّرقاتِ ، ومعهما قِطعتانِ منَ الجلدِ ، يُلطِّخانِ بِهما كُلَّ مَنْ يُقابلهما ، وكَانَ النِّساءُ الرُّومياتُ يُرحبنَ أشدَّ الترحيبِ بهذا التَّلطيخِ، وَيَتعمدنَ أنْ يُصيبهنَّ الدَّمُ الَّذي على الجلدِ ؛ لاعتقادهنَّ بأنَّهُ يَمنعُ العقمَ ، ويُساعدُ على الولادةِ ، ويَزيدُ مِنْ خُصوبتهنَّ . ومنْ هنا كانَ الرُّومانُ يُطلقونَ (عيدَ الخصبِ) على ذلك العيدِ ، وكانوا يحتفلونَ به سنوياً على شَرفِ إلهِ الخصوبةِ عندهم المسمَّى (خونو ( Juno) في الخامسِ عشر من شهرِ شباط الذي يُقابله شهر فبراير في التأريخِ الميلاديِّ . 2-الأسطورةُ الثانية : تَتعلَّقُ بِـ (القديس فالنتين) الَّذي يُنسبُ إليه هذا العيدُ الوثنيُّ ؛ كما مَرَّ معنا ، و قَدِ اختلفتِ الرِّواياتُ التَّاريخيةُ في تَعيينِ ماهِيَّةِ هذا القديسِ على وجهِ الدِّقةِ والتَّحديدِ ؛ فجاءَ في بعضها أَنَّهُ ليسَ شخصاً واحداً ؛ وإِنَّما هُوَ اثنانِ منْ قُدامى ضحايا الكنيسةِ النَّصرانيةِ ، وجاءَ في بعضها الآخرِ أَنَّهُ واحدٌ أُعْدِمَ في روما على يَدِ القائدِ الرُّومانيِّ (كلوديوس الثَّاني) في ( 14 فبراير) عام (270م) ليلةَ العيدِ الوثنيِّ الرِّوماني (لوبركيليا) ؛ وسببُ ذلك ؛ كما جاءَ في الرِّوايةِ المزعومةِ- : أَنَّ القائدَ (كلوديوس الثَّاني) الَّذي كَانَ يعتنقُ الوثنيةَ الرُّومانيةَ، قَرَّرَ مَنْعَ جنودِه مِنَ الزَّواجِ ؛ لأنَّهُ كانَ يعتقدُ أَنَّ للزَّواجِ تأثيراً سلبياً عليهم ؛ إذْ إِنَّهُ يُميتُ فيهم رُوحَ الجندِيَّةِ والقتالِ ، ولمْ يَكُنْ هذا القرارُ الجائرُ الَّذِي يُصادِمُ الفطرةَ البشرِيَّةَ ، لِيُعجبَ (القديس فالنتاين) الَّذي كانَ على دِينِ النَّصرانيةِ؛ فَكانَ يَعقدُ عُقودَ الزَّواجِ للجنود بشكلٍ سرِيٍّ ، و حينَ عَرفَ بِذلكَ القائدُ (كلوديوس الثَّاني) اعتقلَه ، وفي السِّجنِ يَقعُ(القديسُ فالنتاين) في حُبِّ ابنةِ القائدِ (كلوديوس الثَّاني) العمياءِ، الَّتي شُفِيتْ مِنْ مرضِها ، وعَادتْ لِتُبصرَ مِنْ جديدٍ بعد عَلاقتها بـِ(القديس فالنتاين)!! ، و سَاعتئذٍ بَذلَ القائدُ (كلوديوس الثَّاني) جَهدَهُ في أَنْ يَتركَ (القديسُ فالنتاين) النَّصرانيةَ ، ويَعتقدَ بآلهةِ الرُّومانِ ، لكنَّ محاولاتهِ كُلَّها بَاءتْ بالفشلِ الذَّريعِ ، وثبتَ (فالنتين) على النَّصرانيةِ ؛ فَقرَّرَ القائدُ (كلوديوس الثَّاني) آنذاكَ أنْ يَقتلَه، وَقبُيلِ إعدامِه كَتَبَ رَسالةَ حُبٍّ إلى ابنةِ القائدِ. واحتفاءً بهِ ، وتخليداً لذكرهِ ؛ بُنيتْ كَنيسةٌ في روما في المكانِ الَّذِي أُعْدِمَ فيه عامَ (350م) . و حِينَ اعتنقَ الرُّومانُ النَّصرانيةَ ابقوا على الاحتفالِ بِعيدِ الحبِّ الآنفِ الذِّكرِ ، بَيْدَ أَنَّهم نَقلوهُ مِنْ مفهومِه الوثنيِّ (الحبِّ الإلهيِّ) إلى مفهومٍ آخرَ ، يُطلقُ عليهِ (شُهداءُ الحبِّ) الَّذِينَ يَقفُ في طَليعتِهم (القديسُ فالنتين) : رَسولُ الحبِّ والسَّلامِ-حَسبَ زَعمِهم- الَّذِي نَاضلَ وَ استشهدَ في سبيلِ ذَلكَ . ثانياً : مَظاهرُ الاحتفالِ بهذا العيدِ [5] : هذا العيدُ البدعيُّ الوثنيُّ شأنُه شأنُ غيرهِ منَ الأعيادِ منْ حيثُ أَنَّ لَهُ مَظاهرَ يُعبِّرُ فيها النَّاسُ عَنْ بَهجتِهم بهِ وسُرورهم بِقدومهِ ؛ كَما فيما يلي : 1- إِرسالُ بطاقاتِ عيدِ الحبِّ ، أَو الحلوى للأحبةِ أو الزملاءِ في العملِ . 2- تَبادُلُ الورودِ الحمراءِ ؛ وإهدائُها ؛ تعبيراً عن الحبِّ الوثنيِّ الذي كان عند الرومانِ لمعبوداتِهم منْ دُونِ الله تعالىِ . 3- تَوزيعُ بطاقاتِ التَّهنئةِ ، وفي بعضها صورةُ ( كيوبيد) ، وهوَ طفلٌ لَهُ جَناحانِ يَحملُ قوساً ونُشَّاباً ، وهو إِلهُ الحُبِّ عندَ الأمةِ الرُّومانية الوثنيةِ . 4- تَبادلُ كَلماتِ الحُبِّ والعشقِ والغرامِ في بطاقاتِ التَّهنئةِ الَّتي تكونُ بينهم ، والَّتي كَثيراً ما يُكتب فيها عبارة ( كُنْ فالنتينياً ) . 5- إقامةُ حفلاتٍ مُختلطةٍ راقصةٍ ، تُوَزَّعُ فيها الهدايا التذكارية مِنْ الورودِ وصَناديقِ الشوكولاته . ثالثاً : حُكمهُ في ميزانِ الشَّريعةِ : لا يَرْتابُ مُسلمٌ ، عَرَفَ أبجدياتِ دينهِ ، وعَلِمَ النَّزرَ اليسيرَ منْ أحكامِ شريعتهِ أَنَّ الاحتفالَ بهذا العيدِ البدعيِّ الوثنيِّ مِنَ المقطوعِ بتحريمهِ في ميزانِ الشَّريعةِ الإسلاميةِ . وقد أَفتى بذلك جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ بناءً على الأدلة المحكمةِ القطعية منَ الكتابِ والسُّنةِ وإجماعِ سلف الأمةِ ، وكانَ منهم (اللَّجنةُ الدَّائِمةُ للبحوثِ العلميةِ والإفتاءِ) في المملكةِ العربيةِ السعوديةِ في فتواها رقم ( 21203 ) [6] برئاسةِ سماحةِ الشَّيخِ عبدِ العزيز بنِ عبدِ الله بنِ محمد آل الشيخ ، وأعضاءِ اللجنةِ : الشَّيخِ صالحِ بنِ فوزان الفوزان ، والشيخِ عبدِ الله بنِ عبد الرحمن الغديان ، والشيخِ بكر بنِ عبد الله أبو زيد ،وهذا هُو نَصُّها مشتملاً على السُّؤالِ والجوابِ: ((س : يحتفلُ بعضُ النَّاسِ في اليومِ الرَّابعِ عشر منْ شهرِ فبراير 14/2 مِنْ كُلِّ سنةٍ ميلاديةٍ بيومِ الحبِّ (( فالنتين داي )) (( day valentine)) ، ويَتهادونَ الورودَ الحمراءَ ، ويَلبسونَ اللَّون الأحمرَ ، ويُهنِّئُونَ بعضَهم ، وتَقومُ بعضُ محلاتِ الحلوياتِ بصنعِ حَلوياتٍ باللَّونِ الأحمرِ ، ويُرسمُ عليها قلوبٌ ، وتَعملُ بعضُ المحلاتِ إعلاناتٍ على بضائِعها الَّتي تَخصُّ هذا اليومَ فما هو رأيكم : أَولاً : الاحتفالُ بهذا اليومِ ؟ ثانياً : الشِّراءُ منَ المحلاتِ في هذا اليومِ ؟ ثالثاً : بيعُ أصحابِ المحلاتِ ( غير المحتفلةِ ) لمنْ يحتفلُ ببعض ما يُهدى في هذا اليومِ ؟ ج : دَلَّتِ الأدلةُ الصَّريحةُ مِنَ الكتابِ والسُّنةِ – وعلى ذلكَ أَجمعَ سَلفُ الأُمَّةِ – أَنَّ الأعيادَ في الإسلامِ اثنانِ فقط هما : عيدُ الفطرِ وعيدُ الأضحى ، وما عَداهما مِنَ الأعيادِ سواء كانتْ مُتعلِّقةً بِشخصٍ ، أو جماعةٍ ، أو حَدَثٍ ، أو أيِّ معنًى منَ المعاني فهي أعيادٌ مبتدعةٌ لا يجوزُ لأهلِ الإسلام فِعْلُها ، ولا إقرارُها ، ولا إِظهارُ الفَرحِ بها ، ولا الإعانةُ عليها بشيءٍ ؛ لأنَّ ذلك مِنْ تَعدِّي حدودِ اللهِ ، ومنْ يَتعدَّى حُدودَ اللهِ فقدْ ظَلمَ نَفْسَه ، وإذا انضافَ إلى العيدِ المخترعِ كَونه منْ أعيادِ الكُفَّارِ فَهَذا إِثْمٌ إلى إِثمٍ ؛ لأنَّ في ذلك تَشبُّهاً بهم ، ونوعَ موالاةٍ لهم ، وقد نَهى اللهُ سُبحانه المؤمنينَ عَنِ التَّشبُّهِ بهم ، وعنْ موالاتِهم في كتابِه العزيزِ ، وثَبتَ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أَنَّهُ قَالَ : (( مَنْ تَشَبَّهَ بقومٍ فَهُو مِنْهم )) . وَعيدُ الحبِّ هُوَ منْ جنسِ مَا ذُكِرَ ؛ لأنَّهُ مِنَ الأعيادِ الوثنيةِ النَّصرانيةِ ؛ فلا يَحلُّ لمسلمٍ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أَنْ يَفعلَه ، أَوْ أَنْ يُقرِّهَ ، أَو أنْ يُهنئَ ، بلِ الواجبُ تَركُه واجتنابُه ؛ استجابةً للهِ ورسولهِ ، وبُعداً عَنْ أَسبابِ سَخطِ اللهِ وعقوبتِه ، كَما يَحرمُ على المسلمِ الإعانةُ على هذا العيدِ ، أَوْ غيرهِ منَ الأعيادِ المحرمةِ بأيِّ شيءٍ منَ أكلٍ أو شربٍ أو بيعٍ أو شراءٍ أو صناعةٍ أو هديةٍ أو مراسلةٍ أو إعلانٍ ، أَو غيرِ ذلكَ ؛ لأَنَّ ذلكَ كُلَّه منَ التَّعاونِ على الإثمِ والعدوانِ ومعصيةِ اللهِ والرَّسولِ ، واللهُ جلَّ وعلا يقولُ : { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }[المائدة : 2] ، ويجبُ على المسلمِ الاعتصامُ بالكتابِ والسُّنةِ في جميعِ أحوالهِ لاسيما في أوقاتِ الفتنِ وكثرةِ الفسادِ ، وعليهِ أَنْ يَكونَ فطناً ، حَذِراً منَ الوقوعِ في ضَلالاتِ المغضوبِ عليهم والضَّالينَ والفاسقينَ الَّذِين لا يَرجونَ للهِ وقاراً ، ولا يَرفعونَ بالإسلامِ رأساً ، وعلى المسلمِ أَنْ يَلجأَ إلى اللهِ تعالى بطلبِ هدايتهِ ، والثَّباتِ عليها ؛ فَإِنَّهُ لا هادِيَ إلا اللهُ ، ولا مُثَبِّتَ إلا هُو سبحانَه ، وباللهِ التَّوفيقُ . وصلَّى اللهُ على نبينا محمدٍ وآلهِ وصحبهِ وسَلَّم)) . ---------------------------------------------- (1)- أخرجه البخاري في:\"صحيحه\": (3/1274، رقم3269) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ-رضي الله عنه. (2)-إسناده صحيح.أخرجه الطَّبراني في :\"معجمه الأوسط\" :(1/101، رقم 313) ، وانظر حديث رقم : 7219 في صحيح الجامع . (3)-\"التمهيد\" : (5/45)-بتصرفٍ- . (4)-انظر : \"دائرة المعارف الكاثوليكية\" ، و\"قصة فالنتاين \" لبارت ، و\"قصص الأعياد العالمية\" لهنفري ، و\"الموسوعة الحرة : ويكيبيديا\" . (5)-انظر :\"الموسوعة الحرة : ويكيبيديا\" على الشبكة العالمية . (6)- موقع اللجنة الدائمة للإفتاء على الشبكة : www.alifta.net/ . |
صفعة على وجه الصهيونية .. من كاتب يهودي مغربي -3-
الحـــــــرب الوهـــــــــــــمية
بعد أسابيع من انتهاء الانتداب البريطاني ، استطاعت القوات اليهودية الوصول
إلى المستوطنات الإسرائيلية المتفرقة في فلسطين ما عدا مستوطنتين في الضفة الغربية ، التي جرى الاتفاق على ضمها للأردن قبل مايو – أيار- 1948 . و في رسالة بعث بها بن غوريون إلى قادة كتائب الهاغاناة في تلك الفترة : ( إن التطهير العرقي للفلسطينيين يبقى هو الهدف الأهم لخطة داليت ) . و استخدم كلمة " بيور" العبرية التي تعني " الاستئصال".
كان الجيش الأردني هو أقوى الجيوش العربية و لكن تم تحديده من أول أيام حرب فلسطين بنتيجة الحلف الصامت …… و ليس من المستغرب ، إذن ، إن الجنرال غلوب ، القائد الإنجليزي للجيش ، وصف هذه الحرب بأنها " الحرب الوهمية " . فقد كان يعرف جيدا الحدود المفروضة على الجيش الأردني كما كان يعرف أن الجيوش العربية في حالة من العجز تدعو للشفقة . و يبدو من الواضح الآن أن الأسطورة اليهودية التي تتحدث عن هجرة طواعية للفلسطينيين استجابة لنداء عربي لإفساح المجال للجيوش العربية ، هذه الأسطورة بالضبط لا أساس لها من الصحة . إنها مجرد اختراع يعادل الادعاء بأن اليهود طالبوا العرب بالبقاء . فالواقع أن مئات الآلاف من الفلسطينيين قد تم طردهم بالقوة قبل بداية الحرب و عشرات الآلاف تم طردهم في الأسابيع الأولى من الحرب . فنهاية الانتداب في 15 مايو – أيار- 1948 كان يوما آخر من يوميات التطهير العرقي الفظيع الذي بدأ الفلسطينيون يتعرضون له قبل ذلك بخمسة أشهر.
أيـــــــــام تيــــــــــــهور:
" تيهور" هي كلمة عبيرية أخرى للتطهير ، و هي التعبير أو الاصطلاح الذي تلقته الوحدات اليهودية عشية نهاية الانتداب في وصف مهمتها القادمة . و كانت هذه هي اللغة التي استخدمتها القيادة العليا لتعبئة الجنود الإسرائيليين قبل إرسالهم لتدمير القرى و المدن الفلسطينية . في الأوامر التي صدرت في 21 مايو – أيار- : ( عليكم ما بين 14 و 15 مايو احتلال و تدمير : الطيرة ، قلنسوة ، قاقون ، أراتا ، دنبة ، اكتابا ، الشويخة ، و كذلك احتلال و تدمير قلقيلية ) إحدى مدن الضفة الغربية التي عجز الإسرائيليون عن احتلالها ، حينذاك ، و هي تقع اليوم وراء الحائط الذي أقامته إسرائيل ، و استمرت عملية احتلال القرى الفلسطينية و طرد سكانها و قتل كل من يرد إسمه على القوائم بتهمة المقاومة سواء في ثورة 1936 أو بعدها ، و لكن إحدى القرى الفلسطينية التي تبرز في مشاهد النكبة التي تستحق أن نقف عندها كنموذج مأساوي حي لما حدث في قرى و مدن أخرى ، هي الطنطورة .
مــــــــــــذبـــحة الطـنطــــــــورة :
كانت الطنطورة هي إحدى أكبر القرى الساحلية و تشكل " شوكة في حلق " اللواء اليهودي اليكسندروني المهاجم . و هي قرية قديمة يسكنها حوالي 1500 ، يعتمدون على الزراعة و الصيد و الأعمال اليدوية المتواضعة في حيفا . ليلة 22 مايو – أيار- 1948 ، هاجمتها القوات اليهودية من أربع جهات ، على غير العادة ، إذ كانت الهجمات الإسرائيلية تتم من ثلاث جهات و تترك رابعة للخروج . اقتيد فلاحو الطنطورة تحت النار إلى الشاطئ . قام الجنود اليهود بفصل الرجال عن النساء و طردوا النساء إلى قرية الفريديس المجاورة . أمر الأسرى الفلسطينيون بالجلوس في انتظار ضابط المخابرات الإسرائيلي شمشون ماشفيتش . راح ماشفيتش ينتقي بعض الأسرى و يأمر بنقلهم إلى بقعة مجاورة حيث يتم إعدامهم الفوري . و لم يكن هؤلاء هم كل من جرى إعدامهم . فقبل عملية " الاختيار للموت " . سبق للقوات الغازية أن اندفعت في عملية قتل للأهالي و هم في بيوتهم . يقول جويل شولنيك ، و هو أحد الجنود اليهود الذين اشتركوا في الهجوم : ( لقد كان ما حدث من أشد المعارك التي جلبت العار على الجيش الإسرائيلي ) .
تمت معظم عمليات الإعدام بدم بارد . بعض الضحايا سئلوا عن مخزن للأسلحة ، لم يكن موجودا و قتلوا على الفور حين أجابوا أن ليس هناك مثل هذا المخزن . حاليا يعيش بعض الناجين في معسكر اليرموك ، في سوريا ، و مازالوا يعانون كثيرا من فظاعة القتل الجماعي .
فيما يلي وصف ضابط إسرائيلي لما جرى في الطنطورة:
( سيق الأسرى مسافة مئتي متر إلى الجنب ، و قتلوا هناك . كان الجنود يأتون للقائد و يقولون له : " قتل ابن عمي" و حين يسمع القائد ذلك كان يأمر بإعدام خمسة إلى سبعة من الأسرى الفلسطينيين على الفور . و لكن حين جاء جندي آخر و قال أن أخاه قد قتل في المعارك ، فالانتقام كان أفدح من ذلك ، فقد أمر القائد بقتل عدد كبير من الأسرى … و هكذا ….. ) . بكلمات أخرى ، فإن ما جرى في الطنطورة كان عملية إعدام منظمة للشباب العربي على أيدي الجنود اليهود و ضباط المخابرات . بعد انتهاء المذبحة ، و انتهاء الإعدامات …. تم دفن الضحايا تحت إشراف مردخاي سوكولير ، من مستعمرة زيخرون يعقوب ، و كان هو من يملك التراكتورات أي الجرارات التي استخدمت في هذه العملية المريعة ، و يقول إنه يتذكر دفن حوالي 230 جثة ، و لكنه لا يتذكر العدد بالضبط .
سنة 1999 ، قام الطالب اليهودي تيدي كاتز بإجراء تحقيق عن المذبحة كرسالة ماجستير لجامعة حيفا ، و نشر وقائع هذه المذبحة … فقامت الجامعة على الفور بإلغاء درجته العلمية … و قاضاه جنود لواء أليكساندروني بتهمة التشهير . و كان أحد أهم الشهود الذي استعان بهم الطالب هوشلومو أمبار ، الذي أصبح لواء في الجيش الإسرائيلي فيما بعد . أمبار رفض إعطاء التفاصيل و لكنه قال : ( أريد أن أنسى ما حدث هناك ) و حين أصر عليه كاتز بأن يتحدث قال : ( إني أربط هذا بسجلي حين حاربت الألمان مع الفيلق اليهودي في الحرب العالمية الثانية ، لقد كان الألمان هم أشد أعداء الشعب اليهودي و لكن التزمنا بقوانين الحرب في قتالهم . و الألمان لم يقتلوا أسرى الحرب ، قتلوا بعض السلافيين و لكن لم يقتلوا الجنود الإنجليز حتى و إن كانوا يهودا ) .
و في 24 مايو – أيار- كتب بن غوريون في مذكراته و هو يستعرض " افتخاره " بالمذابح التي اقترفها جيشه :( سوف نقيم دولة مسيحية في لبنان ، التي ستكون حدودها الجنوبية نهر الليطاني . سوف نجزأ شرق الأردن و ندمر عمان بالقنابل و ندمر جيشها ، سوف نغير بالقنابل على بورسعيد و الإسكندرية و القاهرة ، و سيكون ذلك انتقاما لما فعلوه المصريون و الأراميون و الآشوريون لجدودنا على مر التاريخ ) . و استمرت عمليات الاحتلال و الطرد و القتل في بقية فلسطين .
اللـــــــــد و الـرمـــــــــــــلة :
عملية داني هي الاسم الخاص للهجوم على مدينتي اللد و الرملة الواقعتين في منتصف الطريق تقريبا بين يافا و القدس .
في العاشر من يوليو – تموز- 1948 ، أصدر بن غوريون قرارا بتعيين يغال آلون قائدا للهجوم و إسحاق رابين الضابط الثاني ، أمر آلون بقصف اللد من الجو و كانت أول مدينة تهاجم بهذه الطريقة ، تبع هذا الهجوم مباشرعلى وسط المدينة ، و صدرت أوامر غلوب باشا قائد الجيش الأردني بانسحاب جنوده. و توهم أهالي اللد و الرملة أن الجيش الأردني سيدافع عنهم خصوصا و أن المدينتين تقعان في الدولة العربية بموجب قرارات التقسيم ، و لكنهم كانوا على خطأ . و بعد أن تخلى عنهم الجيش الأردني و المتطوعون العرب ، تحصن رجال اللد في جامع الدهاميس وسط المدينة . حاربوا لبضع ساعات و لكنهم هوجموا بضراوة ليقوم الجنود اليهود بذبحهم داخل الجامع ، و قد قدر عدد القتلى بـ 426 رجلا و امرأة و طفلا . وجد منهم داخل الجامع 176 جثة . في اليوم التالي ، 14 يوليو – تموز- ، داهم الجنود اليهود بيوت المدينة بيتا بيتا و أخرجوا الأهالي من بيوتهم و دفعوا حوالي خمسين ألفا من أهالي المدينة في اتجاه الضفة الغربية ، و قد كان نصفهم لاجئين من القرى التي طردوا منها .
و هناك شهود عيان وصفوا المذابح و عمليات النهب و مداهمات البيوت و جر العائلات خارج بيوتها و نهبها و سرقتها قبل إجبار العرب على السير على الأقدام في أحد أشد أشهر السنة حرارة . كان هناك صحفيان شهدا الهجوم اليهودي ، منهما كيث ويلار مراسل شكاغو صن ، الذي كتب : ( مات كل شيء أمام القوات اليهودية ) . و الصحفي الأمريكي الآخركينيث ويلبي مراسل نيويورك هيرالد تريبيون كتب : ( كانت جثت الرجال العرب و النساء و حتى الأطفال تنتشر في كل مكان بعد الهجوم اليهودي الفائق الذي لا يرحم ) . قد يدهش البعض لأن مثل هذه الجرائم و المذابح لم يعرف عنها سوى القليلين ، و السبب أن تغطية الحرب كانت متحيزة لطرف واحد ، و كاستثناء من القاعدة وصفت الإيكونوميست البريطانية : ( أقام الجنود المحتلون حواجز تفتيش للاجئين ، خاصة النساء ، لسرقة مصاغهم من الذهب و المجوهرات و نزعها من رقابهن و معاصمهن و أصابعهن ، كما أنهم كانوا يسرقون كل ما يمكنهم العثور عليه من نقود أو أي شيء آخر خفيف و غالي الثمن ، و حين قام ايغال آلون بسؤال بن غوريون عما يجب فعله مع أهالي اللد و الرملة ، أشار بن غوريون بيده أنهم يجب أن يطردوا ) .
و هكذا تم بالفعل طرد خمسين ألفا من أهالي اللد و الرملة من بيوتهم تحت النار و القتل . و في أكتوبر – تشرين الأول- 1948 .... استمر الهجوم اليهودي ... و منه هجوم " النخلة " ، كان لاحتلال الناصرة و بعض القرى في شمال فلسطين ، منها حطين ميدان الانتصار العظيم لصلاح الدين الأيوبي . قام الفلسطينيون في حدود طاقتهم المحدودة بمقاومة منها المقاومة الضارية في معركة عارا التي كبدت اليهود خسائر فادحة . و لكن في النهاية استطاع التفوق العسكري الإسرائيلي الساحق أن يحقق أهدافه و يحتل قرى الجليل و منها : دير حنا ، عيلابون ، عرابة ، اكريت ، فرادية ، خربة اريبين ، كفار عنان ، طربيخة و عشرات القرى الأخرى . و كانت المذابح تتكرر من قرية إلى قرية ، منها مذبحة أهالي سعسع .
مـــــــذبـــحـة الدوايــــــــمة :
تقع قرية الدوايمة بين بئر السبع و الخليل و لعل أحداثها هي أسوأ فصول النكبة . و قد تشكلت لجنة خاصة للأمم المتحدة للتحقيق في ما حدث في القرية يوم 28 أكتوبر – تشرين الأول- 1948 . كان عدد سكانها ألفين قفز إلى أربعة آلاف لتدفق اللاجئين إليها .
يروي تقرير الأمم المتحدة بتاريخ 14 يونيو – حزيران- 1949 السبب في أن الناس لا يعرفون إلا القليل عن مذبحة الدوايمة ، التي شهد أهلها ما هو أسوأ من مذبحة دير ياسين ، هو الخوف من أن تسبب أخبارها الهلع الذي سببته مذبحة دير ياسين و دفع الناس للموت و التسفير . و لعل هناك سببا آخر هو أن الأهالي يتهمون طرفا عربيا بالتقاعس و العجز . يتذكر مختار الدوايمة حسن محمود الديب : ( بعد نصف ساعة من صلاة الظهر ، يوم 28 أكتوبر ، دخلت القرية عشرون سيارة مصفحة من جهة قبيبة في حين قام الجنود اليهود بمهاجمة الجناح الآخر . شل الجنود العشرون الذين كانوا يحرسون القرية . جنود السيارات المصفحة أطلقوا النار بالمدافع الرشاشة و الهاون و اقتحموا القرية بحركة دائرية و طبقا للمشهد المعتاد . طوقوا القرية من ثلاث جهات بهدف أن يخرج ستة آلاف شخص في ساعة واحدة . و حين لم يحدث ذلك ، قفز الجنود من مصفحاتهم و راحوا يطلقون النار على الأهالي ..... سقط في هذه المذبحة 455 فلسطينيا منهم حوالي 170 امرأة و طفلا . و قد اعترف الكاتب الإسرائيلي آموس كينان بهذه المذبحة التي شارك فيها . كانت مذبحة الدوايمة هي آخر المذابح التي اقترفها اليهود حتى سنة 1955 حين ذبح 49 من أهالي قرية كفر قاسم . و هي القرية العربية التي أعطاها الأردن لإسرائيل بموجب اتفاقية الهدنة ) .
خـــــــــــــــاتمة :
تثبت الأحداث و الجرائم و المذابح و الخطط العسكرية التي قامت به القيادة الصهيونية أنها نتيجة خطة موضوعة و دقيقة هدفها طرد الفلسطينيين من وطنهم و إخلاء فلسطين من سكانها . ليحل مكانهم المهاجرون اليهود . و أن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي مأساة و جريمة كبرى من تخطيط و صنع العقل المجرم للقيادة الصهيونية .
تم ... و شكرا على سعة صدوركم ...
الاستئصال
لحظة الاستئصال العنصري للشعب الفلسطيني
قبل الانسحاب البريطاني في 15 مايو 1948
في 29 نوفمبر - تشرين الثاني - 1947 ، صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين . و رغم سياسات الانتداب البريطاني بقيت فلسطين عربية و لم تزد الملكية اليهودية لأراضيها عن 5,8 % سنة 1948 . و قد رفض العرب قبول قرار التقسيم الذي أعطى اليهود أكثر من نصف الأراضي رغم أن عددهم حينذاك لم يزد على ثلث السكان .
و بالمقابل ، فقد كان الرد اليهودي انتقائيا : قبول القرار لأنه يعترف بدولة يهودية ، و لكن في الوقت نفسه ، الادعاء بأن القرار الأممي لا يمكن تحقيقه لما فيه من " شروط صهيونية ".
و قال بن غوريون : ( إن الحدود سوف تتم إقامتها بالقوة و ليس بقرارات التقسيم ) . و لتنفيذ الخطة الصهيونية أنشأ بن غوريون هيئة جديدة هي " المستشارية " و أعلن أمام اللجنة العسكرية للوكالة اليهودية ، في 7 أكتوبر - تشرين الأول - 1947 ، رفضه لقرار التقسيم و أنه لن تكون هنالك حدود برية لدولة المستقبل اليهودية . و أصبحت المستشارية هي مركز القرار الصهيوني لاستخدام القوة لتحقيق الخطة الصهيونية . بدأ في تطبيق الخطة المنهجية لطرد الفلسطينيين من منازلهم و وطنهم في بداية ديسمبر - كانون الأول - 1947 ، أي بعد أيام من صدور قرار التقسيم ، و قامت القوات اليهودية بشن سلسلة من الهجمات على القرى و أماكن التجمع الفلسطينية و مراكز الشاحنات و الباصات و المحلات التجارية أدت إلى طرد حوالي 75 ألف فلسطيني قبل نهاية 1947 .
و في 10 مارس - آذار - 1948 بدأ بتطبيق خطة داليت التي وضعتها القيادة الصهيونية و كانت أهدافها الرئيسية هي المدن الفلسطينية ، و بعضها تم احتلاله قبل نهاية أبريل - نيسان - و أدت إلى طرد 250 ألف فلسطيني ، و صاحب ذلك عدد من المذابح أشهرها مذبحة دير ياسين .
في 15 مايو - أيار - 1948 ، خرج البريطانيون و على الفور أعلنت الوكالة اليهودية قيام دولة يهودية في فلسطين ، اعترفت بها الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي . كانت وجهة النظر الصهيونية المقررة تجاه الفلسطينيين هي طردهم ، كما جاء في أحد خطابات بن غوريون : ( لا يمكن أن تكون هنالك دولة يهودية قابلة للحياة إذا لم تكن نسبة اليهود فيها أكثر من 80% ) . و أضاف في مناسبة تالية : ( إن الفلسطينيين في الدولة اليهودية يمكن أن يصبحوا طابورا خامسا ، و ليس أمامنا سوى خيارين : إما طردهم أو اعتقالهم و من الأحسن طردهم ( . كما كتب بن غوريون كذلك إلى شاليت : ( إن الفلسطينيين سيكونون تحت رحمتها و كل ما يريد اليهود فعله يمكن أن يفعلوه بما في ذلك تجويعهم حتى الموت ( .
انطلقت السياسة الصهيونية بكل قوة في تنفيذ خطتها لاستئصال الفلسطينيين و إخراجهم من وطنهم ، و تقرر في المستشارية البدء في تنفيذ المرحلة الأولى لطرد الفلسطينيين بكل الوسائل . و بدأ التنفيذ من 1947 أي قبل إعلان الدولة اليهودية ، تمهيدا طبعا لإعلانها .
الخطوة الأولى كانت بالترهيب ، فقد كانت وحدات يهودية خاصة تقتحم القرى العربية بحثا عن المتسللين و توزع مناشير تحذر فيها من التعاون مع " جيش التحرير " الذي كان قد وصل فلسطين . و كانت تنتهي هذه الاقتحامات بإطلاق النار العشوائي و قتل البعض . و تطورت هذه الهجمات طبقا لتكتيكات أورد وينغيت للترويع و الانتقام و إعطاء أمثلة حية للقرى المنكوبة و المهاجمة .
خساس قرية فلسطينية تقع بالقرب من سهل الحولة ، اختيرت للهجوم إلى جانب قرى أخرى . كانت قرية مسالمة يعيش فيها بضع مئات من العرب المسلمين و مئة من العرب المسيحيين . و في 18 ديسمبر 1947 ، هاجمتها عصابات الهاغاناة و بدأت في نسف بيوتها و الناس فيها نيام ، و قتلوا 15 فلاحا فلسطينيا منهم خمسة أطفال . و تكررت العمليات المماثلة في قرى عربية أخرى منها : النعيمة و جهولة .
مــــــــــــعركة حيـــــــــفا :
تقرر البدء في سياسة جديدة هدفها المدن و اختيرت حيفا لتكون الهدف الأول . و من صباح اليوم الذي صدر فيه قرار التقسيم بدأ الفلسطينيون فيها و عددهم 75 ألفا يتعرضون لهجمة من الإرهاب تقودها عصابة الأرغون و الهاغاناة . كان اليهود قد بنوا مساكنهم على المرتفعات المطلة على المدينة ، و منها راحوا القذائف على السكان الفلسطينيين ، بدؤوا في ذلك ببداية ديسمبر 1947 . استخدم الصهاينة وسائل أخرى منها : دفع براميل معبأة بالمتفجرات و كرات حديدية على الأحياء العربية ، كما أنهم صبوا النفط المشتعل على الطرق ، و حين حاول الفلسطينيون إطفاء هذه الأنهار من النار ، تعرضوا للمدافع الرشاشة . كما أن الهاغاناة كانت ترسل سيارات إلى المناطق المشتركة بين العرب و اليهود ، بحجة التصليح بعد أن تعبئها بالمتفجرات التي تنشر الموت و الأشلاء . كان وراء هذه الهجمات وحدة خاصة أطلق عليها " هاشاهار " أي الفجر ، تضم " الميسترافيم " أي المتخفين بزي عربي . كان العقل المحرك لهذه الهجمات شخص إسمه داني أغمون حيث كان يقود هذه الوحدات . و نشرت البالماخ و هي من وحدات الهاغاناة ما يلي عن الحالة في حيفا : ) منذ ديسمبر يعيش الفلسطينيون تحت الحصار و الترويع ( . و لكن التالي كان الأسوأ . فقد قذفت عصابة الأرغون بقنبلة على جماعة من العمال العرب و هم يتأهبون لدخول منطقة تكرير النفط ، كان رمي القنابل على التجمعات العربية خاصية الأرغون الذين بدؤوا في ذلك قبل 1947 . و لكن هذا الهجوم على المدنيين الفلسطينيين كان منسقا مع الهاغاناة كجزء من خطة طرد الفلسطينيين من حيفا . و رد الفلسطينيون على هذه العمليات .
المرحلة التالية أدخلت فصلا جديدا في التاريخ الفلسطيني ، فقد قررت القيادة العليا للهاغاناة - كجزء من المستشارية - اكتساح قرية عربية و ذبح سكانها ، امتحانا لرد سلطات الانتداب البريطانية التي لا تزال هي المسؤولة عن الأمن ، و كانت القرية التي اختارتها القيادة اليهودية هي بلد الشيخ التي تضم ضريح عز الدين القسام الذي قتله البريطانيون سنة 1935 .
صدرت الأوامر للقائد المحلي حاييم افينوام لمواجهة القرية ، و قتل أكبر عدد من أبنائها ، و تدمير الممتلكات و تفادي قتل الأطفال و النساء ، حدث الهجوم في 31 ديسمبر و استمر ثلاث ساعات . قتل حوالي 30 فلسطينيا ،لم يكن كلهم رجالا . و في الوقت الذي كانت قوات الهاغاناة تقوم فيه بمهاجمة بلد الشيخ ، قامت بعمل أشد قسوة و عنفا بمهاجمة الحي الغربي ، وادي رشميا ، في حيفا ، و طرد سكانه و نسف بيوتهم . يمكن القول أن هذه الجريمة هي البداية الرسمية للاستئصال العنصري لطرد الفلسطينيين من كل فلسطين . و لا ننسى أن أثناء هذه الهجمات أغمض الجنود البريطانيون أعينهم !!!
بعد ذلك بأسبوعين ، قامت البالماخ باستغلال هذه الموجة من الإرهاب لمهاجمة حي حواسة في حيفا و طرد سكانه العرب . كان يقطن هذا الحي الفقراء من العرب و يبلغ عددهم حوالي 5 آلاف . قامت البالماخ بنسف أكواخهم و نسف المدرسة الموجودة آنذاك و طرد جل السكان .
توازت هذه العمليات الهجومية مع العمليات الإرهابية لعصابات الأرغون و شتيرن . فقد قاموا بنسف السراي الحكومي في يافا ، و نسف فندق سميراميس في القدس ، الذي قتل فيه القنصل الأسباني ، إلى جانب عدد من المدنيين الفلسطينيين ، و أصبحت هذه العمليات الإرهابية هي الواقع اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون . و في باريس صرح ممثل الوكالة اليهودية : ( كيف يمكنني الدعاية في ظل هذا الواقع ؟ ( .
قامت اللجنة القومية في حيفا بمطالبة سلطات الانتداب البريطاني بتطبيق التزاماتها في حماية الفلسطينيين قبل جلاء القوات البريطانية عن فلسطين ، و لكن بغير جدوى . و استمر أهالي حيفا في المقاومة في حدود إمكانياتهم المحدودة ، و استطاعت الهجمات الإسرائيلية إجبار حوالي 15 ألفا من أهالي حيفا على الخروج . و لكن القادة الصهيونيين قرروا أن المطلوب هو تكثيف و زيادة و توسيع هجماتهم العسكرية .
صاح يوسف ويتز في المستشارية حين اجتمعت يوم الأربعاء 31 ديسمبر - كانون الأول - 1947 : ( هذا لا يكفي !) . قال ذلك قبل ساعات من مذبحة بلد الشيخ . و كتب في مفكرته الشخصية : ( أليس الآن هو الوقت للتخلص منهم ؟ لماذا نبقي في وسطنا على أشواك تهددنا ) . و كتب أيضا : ( الترانسفير - أي طرد العرب - لا يحقق هدفا واحدا فقط بل يحقق هدفا آخر لا يقل أهمية و هو : طرد العرب من الأراضي التي يفلحونها و تحريرها لحساب الاستيطان اليهودي . الحل الوحيد هو تسفير العرب إلى الأقطار المجاورة ، و يجب أن لا تبقى قرية واحدة أو قبيلة واحدة في مكانها ) .
كان ويتز من أهم عناصر المستشارية و المنفذ المسؤول لعمليات استئصال العرب من فلسطين . و قد وصف عملية الاستيلاء على كل الأراضي الفلسطينية ب : - أنها مهمة مقدسة - . في الأربعاء الأول من يناير - كانون الثاني - عقد اجتماع مطول للمستشارية في بيت بن غوريون ، و انتهى الاجتماع بقرار إنشاء "لجنة الترانسفير " بقيادة ويتز ، و في الاجتماع التالي أبرز ويتز الخطة العملية لتنفيذ سياسات اللجنة . و كان هنالك إجماع على هذه السياسات و الخطط . و في نهاية الاجتماع ، أعطى بن غوريون الضوء الأخضر لسلسلة شاملة من العمليات الاستفزازية و القاتلة ضد كل القرى العربية ..... بقصد قتل أكبر عدد من الفلسطينيين و تدمير قراهم . و أعطى أوامره الشخصية بمهاجمة بئر السبع و قتل الحاج سلامة بن سعيد نائب رئيس البلدية وأخيه اللذين سبق لهما أن رفضا التعاون مع خطط الاستيطان اليهودي في تلك المنطقة .
لم تعد القيادة الصهيونية بحاجة إلى الرد على المقاومة العربية بل قررت تطوير هجومها ، بكلمات ايغال يادين ، نائب رئيس الأركان للهاغاناة : ( ما يجب أن نقوم به هو هجوم شامل .... لا حاجة أن تهاجمنا قرية ...... لنرد .... ) . و بكلمات قائد البالماخ إسحق سادية : ( من الخطأ الاكتفاء بالرد ..... ما نحتاجه هو أن نعبئ جنودنا بروح العدوان ) . و تطبيقا لهذه القرارات شنت القوات الإسرائيلية هجماتها على كل الأهداف الفلسطينية لتدميرها و طرد السكان . و منها : قرية لفتا على طريق القدس ، و حي الشيخ جراح في القدس ، و جاء بن غوريون شخصيا في 7 فبراير 1948 ليشاهد لفتا المدمرة و التي طرد سكانها العرب البالغ عددهم 2500 نسمة ، و ليبارك الدمار و الجرائم اللذين ارتكبا فيها . كما شملت هذه الهجمات اليهودية عشرات القرى في كل أنحاء فلسطين . و استخدمت تقنيات جديدة في هذه الهجمات منها قاذفة لهب لحرق الحقول و البيوت و المدن الفلسطينية أشرف على اختراعها عالم يهودي هو ساشا غولدبيرغ . كذلك أنتجوا أسلحة بيولوجية بإشراف لفراييم كاتزير ، و قد أصبح فيما بعد رئيسا لدولة إسرائيل ، و كان هدف السلاح البيولوجي هو تسبيب العمى للناس .
يعتبر التاريخ الإسرائيلي الرسمي تلك الفترة و حتى أبريل - نيسان - 1948 ، نقطة تحول . فقد تحولت الإستراتيجية اليهودية من الدفاع إلى الهجوم ، و في وقت لم يكن هناك أية أخطار تهدد غالبية اليهود . و ما بين بداية ديسمبر - كانون الأول - 1947 و نهاية مارس - آذار - 1948 ، أنهت القوات اليهودية المرحلة الأولى للاستئصال العنصري للفلسطينيين . بعد ذلك تحولت العمليات اليهودية المتفرقة ضد المدنيين الفلسطينيين إلى عمليات عسكرية كبرى و منهجية لاستكمال الاستئصال العنصري للشعب الفلسطيني .
خـــــــطة دالــــــــيت :
طرد الفلسطينيون بعد صدور قرار التقسيم حتى 15 مايو 1948 - نهاية الانتداب البريطاني .
حين أظهر بعض قادة الحركة اليهودية العالمية ،الهستدروت ، شكهم في حكمة القرار الصهيوني بمهاجمة الفلاحين الفلسطينيين ، رد عليهم بن غوريون : ( إن أعداءنا هم الفلاحون العرب ) . كانت القوات اليهودية التي تأتمر بأمر بن غوريون ، حينذاك، تزيد عن خمسين ألف جندي تلقى التدريب أكثر من تصفهم على أيدي الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى . و منذ صدور قرار التقسيم في 29 نوفمبر - تشرين الثاني - 1947 ، حتى انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين ، قامت القيادة الصهيونية بالتنفيذ الفوري للخطة الصهيونية : داليت .
كانت عملية "ناشون " من أول عمليات الخطة داليت و هدفها : ( إن الهدف الرئيسي لهذه العملية هو تدمير القرى العربية و طرد الفلاحين ...) و كانت هذه العملية هي أول عملية من نوعها إذ اشتركت فيها كل المنظمات اليهودية المسلحة و عملت كجيش واحد ، و كان ذلك هو الأساس في بناء الجيش الإسرائيلي فيما بعد .
اختيرت المنطقة الجبلية المحيطة بالقدس للهجوم لتأمين الوضع اليهودي في المدينة . و أصبحت هذه العملية هي نموذج للعمليات التالية . و قد شملت العملية الأهداف التالية : القسطل التي استشهد فيها عبد القادر الحسيني في 9 أبريل – نيسان – 1948 ، و بعد ذلك دير ياسين التي كان يجب محوها بحسب خطة داليت . خضعت دير ياسين لهجوم منظم رغم أنها كانت قد عقدت اتفاقية عدم اعتداء مع الهاغاناة . لذلك قررت الهاغاناة استخدام الأرغون و عصابة شتيرن في الهجوم للتهرب من المسؤولية .
في التاسع من أبريل – نيسان – 1948 ، تم احتلال دير ياسين القرية الجميلة على تلة في الغرب من القدس ، بارتفاع 800 متر عن سطح الأرض . اقتحم المهاجمون الإسرائيليون بيوت القرية و هم يطلقون النار و قتلوا بعض الأهالي . بعد ذلك قامت القوات اليهودية بتجميع بقية السكان في مكان واحد و جرى قتلهم بدم بارد ، كما اغتصب عدد من النساء ثم قتلن بعد ذلك . و قتلوا أيضا 30 طفلا من أبناء القرية ، و بلغ العدد الإجمالي للقتلى حوالي 170 قتيلا . و قامت إسرائيل بإعلان هذه العملية العسكرية بكل " كبرياء"لتجعل دير ياسين " مركز" النكبة و لتنذر الفلسطينيين بأن مصيرهم هو مصير دير ياسين . بعد ذلك قامت العصابات اليهودية باحتلال أربع قرى مجاورة : كالونيا و ساريس و بيت سوريك و بدو، فنسفت بيوتها و طردت السكان و نهبت ما أمكن نهبه . بعد عملية ناشون ، استهدفت القيادة اليهودية مراكز السكان في المدن ، التي هوجمت حتى نهاية الشهر ، و القوات البريطانية تشاهد و لا تتدخل . و كانت طبريا هي الهدف المدني الأول ، و بعد قصفها بالمدفعية الثقيلة و براميل المتفجرات المنحدرة من التلال ، سقطت طبريا في 18 أبريل – نيسان - ... و أرسل الملك عبد الله ثلاثين شاحنة لإخلاء السكان و نقلهم .
حـــــــــيفـــا – تكمــلة
بعد الهجمة الأولى على حيفا اضطر حوالي 15 إلى 20 ألفا إلى الخروج منها. و لكن بقي حوالي 60 ألفا من الأهالي الفلسطينيين تحت رحمة القوات اليهودية المتفوقة (جدا) عددا و عدة . أطلقت القيادة اليهودية على هذه العملية "المقص" لاستكمال عملية طرد سكانها العرب ، بحركة كماشة تقطع اتصال المدينة بمحيطها العربي . أخذت القوات البريطانية موقف المتفرج بل أخلت مواقعها للقوات اليهودية . عندئذ أطلقت القيادة اليهودية على العملية : بيور هامينز أي " تطهير الخميرة" أي إخلاء كاملا من الفلسطينيين . و أصدر القائد اليهودي للعملية مردخاي ماكليف أوامره بكل بساطة و صراحة : ( اقتلوا كل عربي تجدونه ، احرقوا كل شيء و افتحوا أبواب البيوت نفسها ) . و في 22 أبريل – نيسان – بدأ الفلسطينيون للخروج من حيفا تحت النار .
ثم صــــــــــــــــفـد :
بعد سقوط حيفا ، بقيت مدن عربية قليلة حرة منها : عكا و الناصرة و صفد . كان يعيش في صفد 9500 عربي و 2400 يهودي ، معظمهم من المتدينين الذين لا يهتمون بالصهيونية و عاشوا مع جيرانهم العرب على مر السنين و لذلك توهم السكان العرب أنهم لن يعترضوا للعدوان اليهودي .... و لكن قرار الهجوم على صفد كان قد اتخذ ، و كان يدافع عنها ضابط سوري شجاع و هو إحسان قام الماز ، استطاع أن يدافع عن المدينة بشكل فعال ، و لكنه ، استشهد فجأة في 29 أبريل- نيسان – و الناس في أشد الحاجة لقيادته . و قد كان عدد القوات اليهودية المهاجمة يزيد عن الألف في مقابل مئة مقاتل عربي ، و سقطت صفد ، ليكتب بن غوريون في مذكراته : (أخبروني أنه لم يبق في صفد سوى مئة من كبار السن و قد طردوا إلى لبنان ).
الــــــقــدس : مديــــنة الأشبــاح
لم توفر القيادة اليهودية مدينة القدس ، و في أبريل – نيسان – 1948 احتلت القوات اليهودية الأحياء الغربية فيها . حاولت بعد ذلك احتلال المدينة القديمة و المنطقة المحيطة بها كالشيخ جراح ، و لكن المقاومة المحلية مع بعض المتطوعين و تدخل الجيش العربي – الأردني غير الصورة . و في النتيجة النهائية تمكنت القوات اليهودية من طرد العرب من ثمانية أحياء و ثلاث و ثلاثين قرية في حدود القدس الكبرى . و قد محا اليهود آثار هذه القرى و لكن بعض أجمل البيوت العربية في القدس يحتلها بعض الأسر اليهودية حاليا .
عكـــــــا و بيـــــــــسان :
استمر قتل المدن الفلسطينية ، فاحتلت عكا و بيسان في 6 مايو 1948 ، و لكن عكا أبدت مقاومة ضارية . و بما أن مصادرها المائية كانت مكشوفة تحولت على "كعب أخيل" . فقد صبت فيها جراثيم التيفوئيد ، و اتهمت منظمة الصليب الأحمر الدولية الهاغاناة بارتكاب هذه الجريمة . و قد أيدت ذلك سلطات الانتداب البريطاني . و تحت الحصار و تسميم المياه و انتشار التيفوئيد سقطت عكا . الضابط الفرنسي اللفتنانت بيتيت وصف ما حدث : ( بعد سقوط المدينة في الأيدي اليهودية تعرضت لنهب منظم و شامل فكان الجيش اليهودي ينهب كل ما تقع عليه أياديه ) . و في 27 مايو – أيار- قام اليهود بمحاولة مماثلة لتسميم مياه غزة ، و لكن القوات المصرية أحبطتها و قبضت على اليهوديين اللذين قاما بالجريمة و هما دافيد هورين و دافيد مزراحي و أعدمتهما . و استمرت الجهود اليهودية في تطوير القدرات البيولوجية بتوجيه و إشراف بن غوريون . و في القوت نفسه ، احتلت بيسان و طرد أهاليها ، و أسر بعض سكانها لاستبدالهم بأسرى يهود ، لدى الجيش الأردني ، كانوا يعاملون معاملة جيدة و حسنة ، على خلاف ما يعامل به حاليا آلاف الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية .
يـــــــــــافــا :
كانت يافا هي آخر المدن التي احتلها اليهود ن بتاريخ 13 مايو – أيار- . و يافا مدينة تاريخية عريقة يعود تاريخها للعصر البرونزي و تضم حدودها أربعا و عشرين قرية و سبعة عشر جامعا . أما اليوم فهناك جامع واحد و القرى اختفت جميعها .
في العاشر من مايو – أيار- هاجم المدينة 5000 من الهاغاناة و الأرغون ، و حاول الدفاع عنها القائد المحلي المسيحي ميشيل العيسى . و قد صمدت المدينة لحصار دام ثلاثة أسابيع و هجوم امتد من منتصف أبريل – نيسان- حتى نهاية مايو- أيار- . و حين سقطت يافا طرد بالقوة أكثر من 50 ألف فلسطيني و سقط كثيرون منهم في البحر حين حاولت قوارب الصيد الصغيرة إجلاءهم إلى غزة . استمرت بعد ذلك خطة الاستئصال العنصري للعرب ، في المنطقة ، فاحتلت الشيخ مونس و طرد سكانها و قتل عدد منهم ، و واجهت قرى عربية كثيرة المصير نفسه .
يوم الأربعاء ، 7 أبريل – نيسان- 1948 عقد اجتماع و تقرر فيه : ( تدمير كل القرى العربية في منطقة يافا و طرد كل سكانها ) . كل ذلك قبل أن يدخل فلسطين جندي عربي واحد . و قد تم ما بين 30 مارس – آذار- و 15 مايو – أيار- 1948 احتلال مائتي قرية و طرد سكانها ، و قتل البعض في مذابح جماعية . و تبع ذلك ما بين 15 مايو و 11 يونيو 1948 احتلال و تشريد تسعين قرية أخرى .
إحدى القرى التي احتلت في تلك الفترة : سيرين ، و قصتها تجسم ما حدث لمئات القرى العربية الأخرى في مرج ابن عمر و وادي بيسان ، حيث اختفت اليوم معالم أي وجود عربي طالما ازدهر قبل ذلك .
ســــــيـــريــــــــــــــــن :
احتلت سيرين في 12 مايو 1948 . كانت سيرين قرية معزولة عن بقية القرى و يصعب الوصول إليها بالسيارة . كانت في القرية عائلة أبو الهيجاء يرجع ولاؤها للحاج أمين الحسيني و الحزب العربي ، الملفات اليهودية ذكرت أن عائلة أبي الهيجاء اشتركت في ثورة 1936 و ما تزال تحتفظ بعشر بنادق . هاجمت القوات اليهودية قرية سيرين و جمعت كل السكان المسلمين و المسيحيين ، و أمرتهم بعبور نهر الأردن إلى الشرق – نحو إمارة شرق الأردن- حينذاك . بعد ذلك نسفوا الجامع و الكنيسة و ديرا للرهبان و كذلك كل بيوت القرية . و طردوا كل السكان من أنصار المعارضة و من أنصار المفتي الحاج أمين الحسيني على السواء .
على هذا المنهاج ، استمرت العمليات العسكرية اليهودية في شمال فلسطين من مرج ابن عامر إلى بقية القرى العربية ، منها : قبية التحتا و قبية الفوقا – كل منهما يسكنه أكثر من ألف شخص - ، خربة الراس ، أبو شوشة ، كفرين ، أبو زريق ، منسي ، نرنرية ، مبارين ، سنديانة ، بريكة ، خبيزة ، أم الشوف ، غوير ، راما . و في راما استثنت السلطات اليهودية الدروز من الطرد في محاولة لبث بذور الفرقة داخل صفوف الشعب الفلسطيني .
اتبع اليهود نموذجا ثابتا تقريبا مع كل قرية : احتلال القرية ، تجميع الأهالي و فرز بعضهم و إعدامهم أمام أعين الآخرين ، اعتقال الشباب و الرجال ، ثم طرد السكان المتبقين من نساء و أطفال و شيوخ . و قد استطاعت المؤسسة الصهيونية إخفاء الحقائق عن العالم ، عدا حالات بسيطة ، كتغطية مراسل النيويورك تايمز لاحتلال بعض القرى . و يبدو أن كل المراسلين الأجانب خضعوا للإرهاب الصهيوني و تفادوا تغطية الأحداث .
و شارك الماركسيون اليهود من سكان الكيبوتزات في جرائم العدوان على الفلسطينيين ، كما حدث في مستعمرة هامشوميرها- تزاير ، حيث نسفوا البيوت العربية بعد نهبها كلها .
عـــــــــــــين الــزيــــــــــــتون :
قرية عين الزيتون ، بشكل خاص ، تعرضت للاعتداءات الإسرائيلية و ارتكب فيها المهاجمون اليهود ثلاث مذابح . و قد سجل ذلك الكاتب اللبناني إلياس خوري في رواية بـــــــاب الشمـــس ، و التي تروي بصدق و حرفية ما حدث لسكانها . و يذكر الكاتب الإسرائيلي هانز ليبرغت المذابح التي شاهدها بعينيه ، فقد كان جنديا في إحدى الوحدات المهاجمة . يقول أن عين الزيتون قد دمرت كلية ، و كانت جثث النساء و الأطفال بل و الرضع ملقاة أمام الجامع .
يصعب الآن تقدير عدد القتلى و لكن العدد لم يقل عن سبعين و يمكن أن يزيد عن ذلك بكثير و كثير ، و قد وصف أحد مقاتلي البالماخ ، نيتيفا بن – يهودي – و الذي اشترك في مهاجمة القرية ، كيف وضعت القيود في أيدي أهالي قرية عين الزيتون ثم قتلوا . و يقدر عدد القتلى بالمئات . و في النهاية ، فإن العجز العربي أعطى الحركة الصهيونية فرصة لا يمكن على اليهود تفويتها . كما أن بريطانيا هي التي سمحت بحدوث ما حدث تحت أنظار جنودها و قادتها و موظفيها . و هي الدولة المكلفة دوليا و رسميا بالمحافظة على الفلسطينيين و ممتلكاتهم حتى نهاية الانتداب في 15 مايو – أيار- 1948 ، طبقا لالتزامات هذا الانتداب المتآمر و المشؤوم .
ترقبوا الجزء الثالث والأخير ...
(محنة التسفير)
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
- يناير 29 (1)
- يناير 17 (1)
- نوفمبر 27 (1)
- أغسطس 22 (1)
- أغسطس 04 (1)
- مايو 02 (1)
- أبريل 02 (1)
- يناير 20 (1)
- نوفمبر 16 (1)
- يوليو 28 (1)
- مايو 07 (1)
- أبريل 25 (1)
- أبريل 23 (1)
- أبريل 17 (1)
- أبريل 13 (1)
- مارس 26 (2)
- مارس 07 (1)
- مارس 06 (1)
- فبراير 22 (1)
- فبراير 12 (1)
- فبراير 08 (1)
- فبراير 07 (10)
- يناير 08 (5)
- ديسمبر 28 (1)
- أكتوبر 18 (1)
- فبراير 23 (1)
-
ف بلادي واحد طالع واكل نازل واكل بحال المنشار و واحد راجـع خـايب نـايب للدار المرفح قايد و المكفح عايش عيشة الذبانة يدور حتى ي...
-
جلسنا على طاولة مشرفة على البحر بمقهى أحد نوادي المدينة ، كان الجو حاراً و السماء زرقاء صافية .... سكون يخيم على المكان إ...
-
أيها المتكبرون أيها المطلون علينا من فوق أبراجكم العالية بعيون شاخصة من حر الحقد المحتقرون لشعوبكم ستحصلون على ما جنيتم بين دف...
-
/ البارحة وجدت رسالة على الفيسبوك لفتاة مغربية من القنيطرة تطلب مني أن أكتب موضوعا عن بنات المغرب ، والسبب الذي دفعها لهذا الطلب ...
-
حاورتها الأديبة فنان الدحمني/ الرباط أجرى موقع سبو 24 حوارا مع الناشطة الجمعوية والمدونة المغربية سعاد صالح البدري، وذلك على خلفية مساهمت...
-
شارك المدونة على فيسبوك
همسة
إقرأ و لا تبخل برأيك مهما كان
من أنا
المتابعون - متابعتك شرف لنا
توصل بجديدنا عبر البريد
أرشيــف المــدونة
المواضــيع الأكثر مشاهدة
مدونات نتابعها
الزوار حسب دولهم
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

